الشنقيطي

278

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

دعوا وطلبوا لأنفسهم العذاب استخفافا فهي تدعوهم إليها زجرا وتخويفا مقابلة دعاء بدعاء ، أي إن كنتم في الدنيا دعوتم بالعذاب فهذا هو العذاب يدعوكم إليه تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ عن سماع الدعوة وأعرض عنها وتولى وهذا الرد بهذه الصفات التي قبله من تغيير السماء كالمهل وتسيير الجبال كالعهن ، وتقطع أواصر القرابة من الفزع والهول مما يخلع القلوب كما وقع بالفعل في الدنيا ، كما ذكر القرطبي قصة جبير بن مطعم قال : قدمت المدينة لأسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أسارى بدر فسمعته يقرأ وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ إلى قوله تعالى : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ [ الطور : 1 - 8 ] فكأنما صدع قلبي فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع العذاب . وذكر القرطبي أيضا عن هشام بن حسان قال : انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن وعنده رجل يقرأ والطور حتى بلغ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ( 7 ) فبكى الحسن وبكى أصحابه فجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه . وذكر ابن كثير عن عمر رضي اللّه عنه أنه كان يعس بالمدينة ذات ليلة إذ سمع رجل يقرأ بالطور قربا لها أعيد منها عشرين يوما ، فكان هذا الوصف المفزع ردا على ذاك الطلب المستخف واللّه تعالى أعلم . ونأمل أن نكون قد وفينا الإيضاح الذي أراده رحمه اللّه تعالى . قوله تعالى : تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ 4 ] . في هذه الآية الكريمة مقدار هذا اليوم خمسون ألف سنة ، وجاءت آيات أخر بأنه ألف سنة في قوله تعالى : وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( 47 ) [ الحج : 47 ] وقوله : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ [ السجدة : 5 ] فكان بينهما مغايرة في المقدار بخمسين مرة . وقد بحث الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه هذه المسألة في كتاب دفع إيهام الاضطراب ، وفي الأضواء في سورة الحج عند الكلام على قوله تعالى : وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ [ الحج : 47 ] الآية . ومما ينبغي أن يلاحظ أن الأيام مختلفة . ففي سأل هو يوم عروج الروح والملائكة ، وفي سورة السجدة هو يوم عروج الأمر فلا منافاة .